الرد على من قال ببطلان الصلاة عند عدم تسوية الصفوف
الرد على من قال ببطلان الصلاة عند عدم تسوية الصفوف
الرد على من قال ببطلان الصلاة عند عدم تسوية الصفوف (جواب جديد عن حجة جديدة) الحمد لله، وأشهد…
الرد على من قال ببطلان الصلاة
عند عدم تسوية الصفوف
(جواب جديد عن حجة جديدة)
الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله؛ صلى الله عليه، وعلى آله، وسلم.
فكان العبد الفقير قد كتب مقالة في مسألة الصلاة مع التباعد بين المصلين، في حادثة «كورونا» المستجدة، بيَّنتُ فيها أن هذا لا يؤثر على صحة الصلاة، وأن الصلاة وإن وقعت -حينئذ- على وجه منهي عنه؛ فإن النهي في هذه الصورة لا يقتضي الفساد.
وقد نما إلى علمي منذ فترة أن هناك حجة أخرى لمن قال ببطلان الصلاة في هذه الصورة، وكانت المشاغل والصوارف قد أَلْهَتْنِي عن التصدي لها في ذلك الحين.
وهذه الحجة هي: القياس على المنفرد خلف الصف، بجامع مخالفة الموقف الشرعي في كُلٍّ.
وتوضيح ذلك: أن النص قد دل على بطلان صلاة المنفرد خلف الصف، كما في حديث وابصة بن معبد -رضي الله عنه-: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- رَأَى رَجُلًا صَلَّى وَحْدَهُ خَلْفَ الصَّفِّ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ صَلَاتَهُ»([1])؛ وما ذلك إلا لأنه قد وقف حيث لا يجوز له الوقوف، فدل على أن كل من خالف الموقف الشرعي الواجب عليه في صلاة الجماعة؛ فصلاته باطلة.
والجواب عن ذلك: أن الإجماع منعقد على بطلان طرد هذه العلة؛ فإن المنفرد خلف الصف لو انضم إليه آخر، وفي الصف المقدَّم فرجة تسعهما؛ فصلاتهما غير باطلة -إجماعا-، وإن أَثِمَا بمخالفة الموقف الشرعي الواجب عليهما؛ فعدم طرد العلة: قادح فيها، ودالٌّ على بطلانها.
وفي مسألة المنفرد -نفسها-: دل النص على الفرق بين صورة الابتداء وصورة الدوام، فمن ابتدأ الصلاة منفردا؛ صحت صلاته، وانعقدت؛ كما دل عليه حديث أبي بكرة -رضي الله عنه-: «أَنَّهُ انْتَهَى إِلَى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- وَهْوَ رَاكِعٌ ، فَرَكَعَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى الصَّفِّ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، فَقَالَ: «زَادَكَ اللَّهُ حِرْصًا، وَلاَ تَعُدْ»([2])، فاقتضى الجمع بين الأدلة: أن المنفرد تنعقد صلاته -ابتداء-، فإذا مَرَّتْ عليه ركعة -وهو منفرد-؛ بطلت صلاته.
فقارن بين هذا، وبين صورة تقدم المأموم على الإمام -مثلا-؛ تجد أن التقدم لا تنعقد به الصلاة -أصلا-، بخلاف الانفراد خلف الصف.
ووجهه -من حيث النظر والقياس-: أن المتقدم على الإمام وقف حيث لا يجوز له الوقوف أصلا ولا وصفا، ووقوفه هذا يخل بأصل كونه مأموما، ويؤثر على أصل الاقتداء؛ فإن شأن المأموم والمقتدي ألا يكون متقدما على إمامه؛ وأما المنفرد خلف الصف؛ فقد شارك الجماعة في أصل صلاتها واقتدائها؛ فاغتُفر له الانفراد في أول الصلاة، وانعقدت صلاته، وإنما بطلت من الحيثية التي ذكرناها.
فقد وجدنا -إذن- أن هذه العلة (مخالفة الموقف الشرعي) تارة منعت من انعقاد الصلاة -أصلا-، وتارة لم تمنع من انعقادها، وإنما منعت من صحة دوامها -بحيثية ما-، وتارة لم تمنع من الانعقاد ولا الصحة.
فتبين -إذن- أنه لا بد في الأمر من تفصيل، ولا يصح إطلاق القول بأن مخالفة الموقف الشرعي مفسدة للصلاة، بل يُراعى في ذلك أشبه الصور بالنص والقياس.
وبالتأمل في مسألتنا (التباعد في الصفوف): نجد أن المصلي قد ارتكب المخالفة في وصف الوقوف، لا أصله؛ فهو قد أتى بأصل ما يجوز له من الوقوف: متأخرا عن الإمام، كائنا في الصف، محاذيا لأخيه؛ بخلاف المنفرد خلف الصف، الذي ترك المُصَافَّة -جملة-، ووقف حيث لا يجوز له الوقوف -أصلا-.
فتبين الفرق بين المسألتين بالنظر الواضح، فكيف إذا تبين الفرق من جهة الإجماع -أيضا-، وفي نفس محل النزاع؟
وذلك أن الإجماع منعقد على عدم بطلان الصلاة بالفرجات اليسيرة بين المصلين، مع أنه قد تحقق فيها -أيضا- مخالفة الموقف الشرعي، فمن صلى وبينه وبين أخيه فرجة؛ فقد خالف الموقف الشرعي الواجب عليه، والوعيد الذي جاء في ترك تسوية الصفوف إنما ورد على هذه الصورة -أصالة-، لا على صورة الفرجات الفاحشة؛ كما في حديث النعمان بن بشير -رضي الله عنهما-: «كَانَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يُسَوِّي صُفُوفَنَا، حَتَّى كَأَنَّمَا يُسَوِّي بِهَا الْقِدَاحَ، حَتَّى رَأَى أَنَّا قَدْ عَقَلْنَا عَنْهُ، ثُمَّ خَرَجَ يَوْمًا، فَقَامَ حَتَّى كَادَ يُكَبِّرُ، فَرَأَى رَجُلًا بَادِيًا صَدْرُهُ مِنَ الصَّفِّ، فَقَالَ: «عِبَادَ اللهِ! لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ، أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ»([3]).
فانحصر محل النزاع -إذن- في الفرجات الفاحشة: هل يفرق بينها وبين اليسيرة، ويصح قياسها على صورة الانفراد خلف الصف؟
والجواب: كلا؛ لما أوضحناه من الفرق الظاهر، وبطلان البناء على مجرد مخالفة الموقف الشرعي.
ثم إن من قاس يلزمه في صورة التباعد أن يحكم بانعقاد الصلاة، وأنها إنما تبطل بمرور ركعة كاملة؛ لأن هذا هو الحكم في صورة الانفراد؛ والله أعلم: هل يقول بهذا التفصيل، أم لا.
فالحاصل: أن الصلاة في التباعد هي صلاة مع فرجات، وقد انعقد الإجماع على عدم البطلان بالفرجات اليسيرة، والمفرِّقُ بينها وبين الفرجات الفاحشة يحتاج إلى دليل صريح تقوم بمثله الحجة، ولا يصفو له القياس على صورة الانفراد خلف الصف، وصورة التباعد أشبه بالصور التي يُحكم فيها بصحة العبادة مع الإثم، لا ينبغي أن يخالف في هذا منصف.
والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله أجمعين.
كتبه
أبو حازم القاهري السلفي
الاثنين 25/شعبان/1443
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
([1]) رواه أهل السنن، إلا النسائي؛ وهو حديث صحيح.
([3]) متفق عليه، وهذا السياق لمسلم.
