8 ربيع الأول 1448 هـ

زاد العالم

24 مايو 2012

زاد العالم

زاد العالِم الحمد لله الملك المعبود ، وأشهد أن لا إله غيره ، شهادة تدخل صاحبها دار الخلود…

زاد العالِم

الحمد
لله الملك المعبود ، وأشهد أن لا إله غيره ، شهادة تدخل صاحبها دار الخلود ، وأشهد
أن محمدا عبده ورسوله ، الذي تبوأ مراتب السعود .

أما
بعد ؛ فإن العلماء هم صفوة الناس ، وحملة الدين ، وورثة الأنبياء ، وأصحاب المنازل
الرفيعة في الدارين ، وفضائلهم
على الاستقصاء كثيرة ، تجدها في مثل «جامع بيان العلم وفضله» ، و«مفتاح
دار السعادة» .

ولا
يخفى أن العالم الذي يحوز هذه الفضائل ، ويدخل في زمرة أصحابها : هو الذي تأصل في
علمه ، ورسخت قدمه فيه ، فصارت له فيه ملكة خاصة ، ومعرفة ثاقبة ، تمكنه من تحرير مسائله
ومباحثه
على
الاستقامة والدقة – ، وتمييز الحق فيها من الباطل .

ومعلوم
أن الله -سبحانه وتعالى
– امتدح من وصل إلى هذه الرتبة من
العلماء، وذكرهم في أبلغ مقامات الثناء ، فقال : ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي
الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا
([1]) .

وشرط
الرسوخ

هذا
هو
الذي اعتبره العلماء

سلفا وخلفا – ، فلا يكون الرجل

عندهم

عالما إلا باستيفائه .

فقال
الإمام عبد الرحمن بن مهدي -رحمه الله- : «
لا يجوز أن يكون الرجل
إماما حتى يعلم ما يصح مما لا يصح»
([2]) .

وقال الإمام ابن القيم –رحمه الله– : «العلم نور يقذفه الله في القلب، يفرق به
العبد بين الخطأ والصواب»
([3]) .

وقال العلامة الشاطبي –رحمه الله– : «من شروطهم في العالم بأي علم اتفق: أن يكون
عارفا بأصوله، وما ينبني عليه ذلك العلم، قادرا على التعبير عن مقصوده فيه، عارفا
بما يلزم عنه، قائما على دفع الشبه الواردة عليه فيه»
([4]) .

قلت : وهذا باب واسع ، فالموفَّق من عرف ذلك ،
وتفهَّمه ، وعمل به
في نفسه ، وفيمن حوله – ، فيوطن نفسه على استيفاء هذا
الشرط
إن أراد أن يكون عالما – ، ولا يعتبر بأحد من المتكلمين في الدين حوله إلا
باستيفائه
أيضا – .

واعلم أن أهم ما يحقق هذا الشرط : جرد المطولات
، فلا يجوز أن يكتفي الطالب بدراسة المختصرات ، أو الاطلاع العام ؛ بل يجب عليه أن
يَمخُر بسفينته عُباب المطولات ، ويصارع أمواجها ، ويصبر على المشقة في ذلك ؛ فإن
هذا هو الذي يصور عنده المسائل والمباحث
على التمام – ، ويوقفه على أسرارها وفوائدها ،
ويمكنه من تحريرها
على
الوجه المرضي – .

وهكذا كان علماؤنا الأعلام ، ومن اطلع على سيرهم وتراجمهم ؛ عرف اهتمامهم
بهذا الأمر العظيم ، وأنه كان سر نبوغهم وإمامتهم

بتوفيق الله – .

وأما الذي يفرط في ذلك ؛ فإنه يصير مغبونا في علمه
، منقوصا في معرفته ، لا يحيط بالمباحث العلمية ، ولا يؤصلها حق التأصيل ، فيكون
تحريره لها ناقصا
على
الدوام – ، لا يشفي عليلا ، ولا يروي غليلا ، وتأتي
من بعد ذلك ثالثة الأثافي ، عندما يشتهر الرجل ، ويُطلِع
قرنه للناس
على
تقصيره هذا – ، فيظنونه علامة عصره ، ونابغة دهره ، وفقيه وقته ، فيأتون إليه
بالنوازل من بين يديه ، ومن خلفه ، وعن يمينه ، وعن شماله ، ولا تجد أكثرهم مميزين
!! فحدِّث
عندئذ عن التخليط والفساد في الدين ولا حرج – !!  

فنصيحتي لنفسي
وإخواني: ضرورة الإقبال على جرد المطولات
بعد هضم المختصرات -، فمن أراد التخصص في فن معين
؛ فليسلك فيه هذه السبيل ، وليحرص
في خلالها على تقييد الفوائد، وتمييز المباحث ، وتحرير المسائل ؛
فإن هذا هو قوام الرسوخ العلمي ، والسؤدد الشرعي ؛ وفَّق الله الجميع لما يحبه
ويرضاه .

 

كتبه

أبو حازم القاهري السلفي


([1]) آل عمران . 

([2]) ترجمة ابن مهدي من «السير» . 

([3]) «إعلام الموقعين» .